حين عشت الحب أول مرة ؟.
لقد عشت كثيرا من سنوات حياتي على الورق , الورق كان بالنسبة لي الصديق الآمن الذي أستلقي على كتفه وأهمس له بكل ماأشعر به دونما خوف من أحد . لأفرش أوراقي , ثمة ورق أصفر كثير , محت السنوات كثيرا مما دونت فوقه , ومع ذلك لم يخني وظل يفرد لي حدائقه فأغرف ما أشاء من العطر . 4- تشرين الاول – غداً ، ننزل الى بيروت ، والقدر يمد يده ليدمر كل ما بنيته من امال وأحلام هنا في قريتي ،اشعر بحزن عميق لفراق الطبيعة ، يعانق حماسي وشوقي الى المدرسة ، وانا قد ارتفعت سنة ، سأتعلم وأتفوق .. اسمي حفرته على جذع الشجرة التي كنت اجلس تحتها وساعود ... ساعود حاملة احلاما جديدة وامالا اكبر، واجلس تحت شجرتي وانظر الى السماء لترفعني اليها وترميني بعيدا .. بعيدا .... 11- تشرين الاول الخميس المقبل هو اليوم الاول في العام الدراسي ، انا متحمسة للدرس وساسعى الى ان انجح كالعادة واتفوق ... ماذا تخبئ لي هذه السنة؟ أحيانا اشعر بالخوف ، لأنني سأواجه صديقات وأساتذة جددا ، أفكر كيف سأبدأ بالتعرف إليهم ، وهل سأنسجم معهم ؟ إلى أي مدى ساكون قادرة على التأقلم معهم ؟ اشتقت إلى القرية ، واشتقت لصديقاتي ، استمع الآن إلى الموسيقى الهادئة ، التي تبث في شعورا جميلا ، وتجعلني أدرك أنني اعرف كل شيء عن الحياة .... خالي تخلى عن خطيبته ، ونحن نشعر بالحزن من اجلها ، ما أحقر الحياة التي توهمنا بأشياء جميلة لا تلبث أن تسرقها منا ، وتبني لنا قصورا من رمال ، لا تلبث مياه الشاطئ أن تمحوها ، فلا تبقي إلا بعض الحصى التي تخبر عن تفاهة الإنسان وتعاسته في آن ... سأحلم دائما ، ولن أبالي ، لا بالرمال ولا بالحجارة ، سأقذف بالحجارة إلى أعماق البحر ،سأحول الرمال إلى أعمدة صلبة وأسس لا تلتوي.... 16 تشرين الاول اليوم ، كان اليوم الاول من العام الدراسي في " ثانوية الغبيري الرسمية للبنات " الجديدة ، التقيت ببعض الصديقات القديمات ،مايا وفاطمة وهند ..لكنني لم اتعرف بعد على اية صديقة جديدة في صفي، اخاف ان ابقى من دون صديقات ! المدرسة كبيرة ، فيها مكتبة كبيرة ايضا ، وفيها صالة لعرض الافلام وفيها مختبر ... بسبب غياب أحد الأساتذة ، طلبوا منا إن ندخل إلى المكتبة ،استلمت فورا كتابا ل" مي زيادة " اسمه " ظلمات واسعة" وانتحيت طاولة صغيرة وحدي ورحت اقرأ... بينما كانت الفتيات يشكلن مجموعات ، يتسلين ويضحكن ويتحادثن ،وأحيانا يتأففن ... بينما انا اطالع ، اقترب مني احدهم ، اعتقد انه استاذ او ربما هو المسؤول عن المكتبة ، سالني : ماشي الحال؟ قلت نعم .. ابتعد عني ليعود بعد لحظات ،ويسالني عن اسمي وعن اسم الكتاب الذي اقرأ ، فاجبته ، اخبرني انه سيذهب هو وابنته الكبيرة الى احتفال تكريمي لبعض الكتاب ومنهم مي ، وطلب مني مرافقتهما ربما من باب التشجيع ، انا اعتذرت منه ورفضت الامر رفضا قاطعا ، فكيف اذهب معهما وانا لا اعرفهما ، ثم بالتاكيد والدي لم يوافقا ! هذه فرصة ضاعت ! وكم ستضيع بعدها فرص ! 20 تشرين الاول : على حافة الشارع ، تقعد البصارة لتخبر الناس عن ايامهم القادمة ، وتنبئهم بالافراح والاحزان التي تنتظرهم ... وانا .. بصارتي قلمي ، وحده يحدثني عن غدي ، وعن ايامي المقبلة ... كل مرة امسك فيها قلمي ، اشعر انني اتحكم بالعالم كله ، قلمي هو كل ما املك ، هو وحده من استطاع ان يبقى وفيا لي وان يحبني حبا جنونيا لا اشك بعدها انه سيتخلى عني يوما ، قلمي هو اصدق الناس واقربهم الي ... في تلك الليلة ، شعرت بوحدة قاتلة ، وبحزن عميق ، فاقتحم قلمي علّي عزلتي ، واخذ يسكبني على صفحات الورق ، كلمات من العذاب والأشواق ، كلمات حبيبة من دون حبيب .. بينما انا اكتب، اغمضت عيني قليلا ، ولم يبق لي من هذا العالم سوى صوت فيروز الهادىء يدق على قلبي ، بينما انا هكذا ، انتابني شعور رائع ، حين رايت الحب لأول مرة ، كان يركض مسرعا خلف الغيوم والتلال ، تسلل الي ، وكان ممتلئا بهجة ورونقا ، والورود تزهو بين يديه ، ابتسم لي ورحل ... نسي ان يستعيد وردة حمراء سقطت منه قرب بيتنا ، فرحت بها ، وخباتها ، وعاهدت نفسي ان اعيدها الى الحب عندما يزورني طيفه مرة اخرى ... الحلم انتهى ، الحب لم يعد ، فتحت عيني لأرى نفسي وسط كومة من الاوراق الميعثرة ، وصوت عذب ياتي من المسجلة ، ولا وردة بين يدي ... هكذا ، يعاملني الحب ، هكذا يقصيني ويبعدني عن عالمه ، كانني لست جديرة ان احب وان اتلقى ورودا وابتسامات ،اعرف ايها الحب انك مشغول كثيرا ، فكثر هم عشاق العالم ، وورودك ربما لا تكفي ، لهذا فانت تنتظر الموسم القادم ، ريثما يزهر ربيعه ورودا كثيرة ، ومن بينها ، ترتفع وردتي ، وتمتد يد احدهم تقطفها وتتوجه الى داري ... انا بانتظار الموسم الجديد ، انا بانتظار تلك الانامل تحمل وردتي الى وتحمل لي الحياة في آن... 12 تشرين الثاني الامور تسير على ما يرام في المدرسة ، رغم انني لا اختلط كثيرا بالبنات ، بل ابقى وحيدة معظم الوقت ،المهم ان اركز على دراستي ، لم اعرف حتى الان كيف هو مستوى زميلاتي الدراسي ، وان كن سيتركن لي مرتبة افوز بها بين المراتب الاولى .. تأثرت كثيرا اليوم ، بسبب ما حصل أثناء عودتنا بباص الثانوية إلى البيت ، عندما وقف رجل عجوز ومد يده إلى إحدى الفتيات في الباص وهو يتمتم ببعض الكلمات وبصوت مبحوح ،وكان الطقس ماطرا ، فما كان منها إلا أن شتمته و أغلقت النافذة في وجهه ... تالمت كثيرا ، وتالمت اكثر لانني لم اقدر ان افعل شيئا ،فانا لا اجرؤ ان اعارض سلوك صديقتي ، كما لا املك الاندفاع الكافي لاصلح خطأها... تلك الحياة المتملقة ، التي ولدتهم ورمت بهم في الطرقات، حيث تلقتهم لعنات البشر الحمقى ، وجعلتهم يتخبطون في الذل والهوان والتعاسة ... لماذا ولدتهم؟ لماذا قذفت بهم الى بلاد لا تشبه بلادهم؟ ما يدور في ذهني وما يعتريني من مشاعر اقوى من ان يخطها القلم ، الحياة يا قلمي لا تحتاج اليك عندما تصبح مفهومة بعد ان تفضحها المشاعر ...فاسكت الآن ودعني اتالم بصمت .. 22 تشرين الثاني انه عيد الاستقلال ، في هذا اليوم ، يحتفل الرؤساء الثلاثة ويجتمعون معا بطريقة فلكلورية وتعطل الناس أعمالها والطلاب مدارسهم ، ويتقبل الجميع التهاني والفرح بذكرى الانتصار على الاستعمار ، كل ذلك يحصل وقرى الجنوب لا تزال تحت الاحتلال ، وما يزال أهلها يعانون الذل والحرمان والخوف ونصف شوارع بيروت لا تزال احمل أسماء جنرالات فرنسا الذين احتلوها ذات يوم ... لا يحق لهم ان يحتفلوا بهذا العيد ، واحتلال اليوم ، هو اقسى واظلم من احتلال الفرنسيين ،ليحرروا اولا اهلهم من الخوف والموت والدم ، قبل ان يحتفلوا ... ليحرروا انفسهم من حب السلطة والمال ... ثم لينتظروا ان تخلع ام الشهيد ثياب الحداد وحتى تجف دماء الشهيد ... وهيهات ان تجف ! 29- تشرين الثاني احلامي ، لا تبتعدي عني ، وكما لا ينسى الندى ان يبلل الزهر فجر كل يوم ، لا تنسيني. الحياة ! احبها ، واشعر بحاجة كبيرة الى ان اعيشها ، واصادقها ، لانني سئمت من الوحدة ، ومن الحزن والاسى ، سئمت من التامل الذي لا يجلب سوى الحرقات! ضميني ايتها الاحلام وخذيني الى الفضاء الواسع ، فضاء قلبي! قلبي منير ومشرق،في قلبي ورود عطرها فواح ،في قلبي بلابل مغردة ... يحتفظ قلبي بطهارته ، وتطير روحي اليك ، بينما يلتصق جسدي في هذه الارض الحقيرة ...لكنني ساتي اليك ولن اعود ، غدا عندما يصبح جسدي تحت الارض ، سيمنحني القدرة على التحرر ، وسنغني ايتها الاحلام سوية كثيراً، ولن يخفينا شيء! وحيدة انا ، حزينة ، غريبة عن هذه الارض، التي كل شيء فيها باطل ،والتي يسودها القوي الذي يسحق الفقير الطيب بقدميه ، كلها عبث وعبث ! لا تصدقي ضحكاتي ، وابتساماتي ، لأنها مزيفة لا تنبع من القلب ،أنا مقنّعة أمام الناس بقناع يضعه الجميع ، كأن الحياة مسرح لعيد البر بارة ، الذي لا ينتهي ... في غرفتي تجدين حقيقتي ، وعلى مخدتي تتحسسين دموعي ، وفي لحن الرحابنة وصوت فيروز تكتشفين فلسفتي في الحياة... هل ستتحقق احلامي ؟ ام تراني اعيش اوهاما من صنع مخيلتي؟ هل سارى الوجه الاخر من الحياة ، حيث القى احبائي ، واتعرف الى ذاتي التي ضاعت وسط بطلان الايام ... وردة سآخذ معي ، وردة فقط ، وردة تختزل حزني وتعاستي والمي لما فعله الناس في الوديعة الني اودعهم اياها الله ... وردة في يدي ، وأخرى يضعها غيري أينما يشاء ، ولن اكترث لها ، لأنها قريبا تذبل ؟، بينما تزهر وردتي في يدي ، وتأخذني إلى عالم يستحيل على أي أحد منهم الوصول إليه.. 6 كانون الاول اشعر انني اريد ان اغير حياتي ، مللت من الروتين ،الذهاب الى المدرسة كل صباح ،والدروس المتراكمة التي لا اعرف كيف انهيها ،كم ارغب في الخروج والتنزه لكن هذا ليس ضمن برنامجي ! لو استطيع ان اغير العالم! ولكن كيف؟ بقلمي الذي لا يصغي احد اليه ولا يهنئني احد بولادته؟ ونموه؟ وصدقه؟ مسكين قلمي ! مسكينة انا ! افكر في الناس الذين حولي ، الغرباء والاقرباء ، الذين يمرون من أمامي ويختفون بلمح البصر ، افكر بهم جميعهم ، ولا يفكر احد بي ! 9 كانون الاول توفي زوج عمتي ، الذي كان مقعدا ومصابا بجلطة دماغية لمدة 15 سنة ، ارتاح من العذاب ، 15 سنة وعمتي تخدمه ، لم تتأفف يوما ، لم تشك يوما ، كانت صابرة على ما أصابها ، وهاهي اليوم ، تبكي كل دموع الأرض ، تبكي على الشاب الذي أحبته وتزوجته يوما ،تبكي عليه كما يظهر في صورته ، شاب طويل يحمل ولدا على صدره ، وصبية بريئة واقفة إلى جانبه ... صورة حرمت منها عمتي طوال 15 عاما ، فلم يبق لها القدر سوى خيال رجل ، وصوت أنين ينبعث من الغرفة المجاورة ...اليوم ، يختفي الأنين ، وتصبح الغرفة خاوية ...والبرد وحده يبوح بسر الموت والحياة ... 14 كانون الأول : اقتربت امتحانات الفصل الأول ، اشعر ان الامتحان صعب ، لان المنهاج صعب ،فلم اعد واثقة انني سانجح اذا قلبت الكتاب قليلا وقرات القليل، بل علي ان لا اترك الكتاب لحظة واحدة ، ولا اتلهى ابدا ، النجاح لم يعد مضمونا كالسابق ،انما يحتاج الى الجد .. اتمنى ان تزورنا مريم ، الزوجة التي اتخذها خالي بعد انفصاله عن السابقة ، لانها تسلينا وتحكي لنا احداثا في حياتها مثيرة ... 3- كانون الثاني 1998 ، قضينا ليلة راس السنة عند بيت خالتي ، امي تخلق جوا مرحا دائما ، وزوج خالتي يتجاوب معها ، ونحن نضحك معهما ! ماذا سيجلب لي هذا العام؟ مزيدا من الوحدة والحزن ؟ ام سيبشرني بقدوم الربيع الذي انتظره منذ سنوات ؟هل سيطل الحب علي ،ويعرفني الى تلك المشاعر السامية التي اعيشها في خيالي فقط ؟ كتب الدراسة ، الملل ، عدم التأقلم مع الأصدقاء ، عدم رغبتي في الانخراط في الناس لأنني لا احب نفاقهم ،عدم قبولي لمظهري ، حيث اشعر كم أنني لست جميلة ، كل هذه الأمور التي تشعرني بالرغبة أن اختفي ، أو ارحل ، هل تمحوها سنة 1998 ؟ واذا محتها ، فانا اطلب منك يا وردة الجلنار ، الا تنسي هذه الايام ، فاذا كبرت وجلست على هذا السرير ، وانت تستمعين الى اغنية مطلعها : يا جبل البعيد ، خلفك حبايبنا ..بتموج متل العيد وهمك متعبنا ..... تذكري لوعة الانتظار ، وقساوته... 17 كانون الثاني على بالي اشياء واشياء ... لو كنت رسامة ، لرسمت فتاة ترتدي ثوبا طويلا ، وتذرف الدموع من عينيها بصمت ، وهي تبتسم في آن ، لوحة تتجسد فيها الكآبة والأمل ... لو كنت ملحنة ، كنت اصنع الالحان ، والموسيقى ، كنت امسكت مزمارا ، وجعلت كل الناس توقف اعمالها لتستمع الى الحاني ... لو كنت وردة! جميلة ومتالقة ، وان هب نسيم قوي واقتلعني ، او اتت العواصف فنالت مني ، ساحيا مع النسيم ومع العواصف , السماء أكثر اتساعا من سجن التراب . " 23 كانون الثاني إذا فرغت من حل جميع أسرار الحياة ، تتوق إلى الموت ، لأنه سر من أسرار الحياة" تستوقفني عبارة الكاتب العظيم جبران خليل جبران ،وتجعلني اتساءل بدوري: ما هي الحياة؟ وهل تمكن احدهم من حل سر واحد من اسرارها؟ ما اعظمك يا جبران ، وما اكثر الندم الذي اشعر به لأنني لم اولد في زمانك ، ربما كنت تمكنت من ان اراك ، وان احدثك عن الوحدة التي اعيشها ، لا شك ستفهمني ، لانني اشبهك في المك ووحدتك، وفي رغبتك ان تغير العالم ، وان تبدل كل الافكار والمفاهيم ، من خلال ذلك النبي الذي تحدثت عنه ، وكم رايتك فيه، لكن هيهات ، كيف احلم بلقياك ،وانا التي يستحيل عليها ان تزور متحفك في بشري ، البلدة اللبنانية ، انه حلم كبير ، لا اعرف كيف سيتحقق ، ربما لن يتحقق ، مع ان بشري في بلدي ...وجبران لبناني ! احاول ان ادخل الى عقل ذلك العظيم ، من خلال ما قراته عنه، فجبران اراد بحق ان يغير شرائع الناس ، وان يبدل عاداتهم البالية وتقاليدهم بمفاهيم تدعو الى المحبة والعطاء اللامحدودين. عندما يتحدث جبران عن الحرية ، يجعلني اتوقف دقيقة افكر ، فكما قال : من يستطيع ان يمنع قبرة السماء عن الغناء" فهل يصح هذا التشبيه علينا نحن البشر؟ هل يحق لنا ان نغني دائما ؟ وهل الحل يكون بان يتبع كل انسان غريزته ؟ لا اعتقد ان التحرر من القيود هو الحل المناسب ! ولكن مهلا، هل يرى الطائر باب قفصه مفتوحا ولا يهرب؟ هذا ما فعله جبران، هو لم يتخلى عن قفصه يوما، ولم يغن في الفضاء الواسع ، لماذا؟ ألا يمكن أن نعيش الأمان والراحة هنا ، بدل من أن ننطلق إلى المجهول ، لتقتلنا طلقة قناص وتردينا أرضا؟ وأنت أيتها الفتاة ، تسكنين هنا نعم ، والباب موصد تماما ، لكن من يحبس الجسد ، لا يمكنه أن يحبس الروح، روحي منطلقة ، تسال عن الحياة ، وأحلامي كبيرة ، وكلها تجتاز القضبان ، ولا توجد قوة في العالم تمنع أحلامي أن تهرب وتحلق عاليا ...
يحتل موضوع المرأة أهمية كبيرة في المجتمعات كافة ، وفي كافة مجالات الحياة ، حيث لا تخلو قضية مجتمعية من ذكر المرأة ودورها ومساهمتها في الحياة الاجتماعية والمهنية والأسرية ، وذلك يعود إلى أن المرأة هي نصف المجتمع وبالتالي ، فان هذا النصف الذي جرى تغييبه او إهماله حينا، تم إخراجه إلى النور ليصبح مساهما في كافة جوانب الحياة ،وصولا إلى وضعه تحت الأضواء المبهرة إلى درجة لا نستطيع فهمه في كثير من اللحظات ... انه الاعلام ، الذي استخدم المرأة منذ بدأ العصر الاستهلاكي في الظهور، ومنذ اصبح الفرد يفعل ما يشاء باسم الحرية الفردية ،ومنذ تحولت المرأة الى مالكة لجسدها تتحكم فيه كما تريد ،وبالتالي اصبح من حقها ان تتصرف به كما تشاء ، فيمكن ان تكسب من جراء استخدامه وعرضه المال ، والشهرة ... والاضواء... لقد سلط الاعلام سيفه على رقاب المستهلكين،عندما وضع نصب اعينهم: امرأة !!!... والإعلام وان كان في بعض مجالاته ذا نية صافية ، إلا انه وجه الإعلان الذي هو جزء منه ، باتجاه واحد ، هو الاستهلاك، وكانت المرأة هي الطعم الذي يمسك به المستهلك ولا يقدر بعدها على النجاة أبدا ... أن علاقة الإعلان بالمرأة ، ليست علاقة بريئة ، او عفوية ، إنما لها أبعادها الخطيرة ، ونتائجها غير المحمودة ، انه مخطط لا يمكن ان يكون بسيطاً كما لا يمكن ان يكون سهل الرسم ، لاننا عندما نرى كيف تحولت المرأة الى عنصر فعال ، مطلوب بكثرة في الإعلانات التلفزيونية وفي وسائل الاتصال المرئية والمسموعة ،وحتى على اللوحات المنتشرة على طول الأتوسترادات في كل منطقة في لبنان وسواه من دول العالم العربي ، كأنها تسلب أنظار الأفراد بقوة إليها ، ورغما عنهم ، عندما نرى كل هذا ، لا يبقى أمامنا سوى الاعتراف بان المرأة أصبحت مجرد سلعة تسوِّق سلعة !!! تظهر المرأة في كل الاعلانات، حيث، لا يفرق اصحاب الشركات والقيمين على الاعلانات بين منتج واخر، فمنتجات الاطفال والشباب والرجال والفتيات كلها صالحة لان تسوق لها المرأة ، انها لكل المجالات ولكل الاجيال ، ويا لها من عنصر مربح ، وناجح، هذه المرأة التي استطاعت ان تجعل كل المنتجات تغرم بها ، وكل المشاهدين والمستهلكين يتوجهون اليها ويلاحظون وجودها حتى لو لن يرغبوا بذلك !!!... المراة في الاعلان هي الام/ الزوجة/الحماة/ وهي ايضاً،الجميلة /الانيقة /المثيرة ... تُعرض هذه الاعلانات التي تتضمن المرأة في كافة صورها المذكورة ، وهي لا بد ناجحة ، نظرا الى الاسلوب الشيق المعتمد فيها ، والذكاء العصري الذي وهبته التكنولوجيا لاصحاب الشركات الاعلانية ، والحنكة التسويقية ، فتحوز على الاهتمام الكافي من قبل المشاهدين، ويتدافعون باغلبيتهم الى المحلات التجارية يبتاعون وهماً خلقته تلك المرأة الساحرة - من خلال اعلان ما- في عقولهم ! ولكننا هنا نسأل : هل تعطي هذه الإعلانات الصورة الحقيقية عن المرأة ؟ هل فعلا النساء في مجتمعاتنا يجدن تقاربا وشبها مع النساء اللواتي يظهرن في الإعلان؟ كيف ترى المرأة صورتها في الاعلان؟ هل ترى نفسها؟ ام ترى امراة اخرى تعيش في عالم وهمي مصنوع بآلات تكنولوجية وماكينات تصويرية واضواء وغيرها ؟!! وهل الحرية التي حاربت من أجل الوصول إليها المرأة خلال عقود كانت نتيجتها الجائزة أن تخرج المرأة من الحرملك إلى علب الليل ! وهل النساء راضيات حقا عن هذه الصورة غير المشرفة لهن ؟. وهل وظيفة المرأة الرقص والشخلعة وإثارة الغرائز وهي المخلوق الأكثر لطفا , الأم والمربية والأخت والصدر الحنون الذي يلجأ إليه الرجل منذ يكون رضيعا الى أن يغيبه الموت ؟. والمرأة التي كانت ملهمة الشعراء ومحرضة الفلاسفة على الدفء وصانعة أجمل الأحلام للعشاق . هل يمكن اختصارها اليوم بالدعايات لأنواع العلكة والمناديل المعطرة وأنواع الشوربة والأحذية وكل السلع التجارية الأخرى ؟. هذه الأسئلة وغيرها حاولنا طرحها على مجموعة من الصبايا ، اللواتي أطلعننا على نظرتهن إلى المرأة في الإعلان ومدى تجاوبهن وتأثرهن فيها وقد جاءت الإجابات على الشكل التالي : يعتبر التلفاز الوسيلة الاعلامية الاكثر انتشاراً حيث دخل الى كل منزل واخترق المجال الخاص للأسرة ، ولم يفرق بين اسرة غنية او فقيرة ، بين اسرة افرادها اميين او مثقفين ، كما لم يميز بين اسرة محافظة ومتدينة واخرى متحررة. نسأل : الى اي مدى تبقى امكانية التغاضي عن هذه الاساليب وهذه الاساءة الى المرأة واستخدامها كسلعة تروج لسلع مقابل كسب المال والارباح للشركات الاعلانية قائمة؟ الا نحتاج الى توعية المرأة بصورة اكبر واشمل حول دورها الحقيقي في الحياة ، وحول كيانها وانسانيتها ، وان التحرر ليس بالشهرة او بعرض المفاتن، او بالاستجابة الى مطالب اصحاب الشركات والى اساليبهم الاقناعية الخادعة ، وذلك من اجل الحصول على راتب لا يلبث ان يزول في حين ان كرامة المرأة وشرفها هو اغلى واهم واقدس من اي شيء اخر في الدنيا؟ والى مدى تظل الفتيات والنساء يتاثرن بتلك الصورة المزيفة الخداعة وينبهرن بالاضواء والجمال المصطنع ؟ اننا بدون شك بحاجة الى الكثير من التوعية والتحقيقات تعالج هذه الامور ، وتوجد لها حلولا من اجل حماية المرأة وصيانتها ، ومن اجل تجنب وقوع النساء في براثن الاعلان والماديات والخداع .
للمرة الثالثة تعتذر مني صديقتي لتجيب على هاتفها الجوال ... شعور بالتذمر ، يصيبني ...يتبعه شعور بالغضب ، كنت مندفعة تماما وأنا انقل لها أحاسيسي ومشاعري ، وكانت منسجمة معي كليا، رنة من جهاز جامد ، عطلت علينا انسجامنا وأخذت صديقتي مني ...بكل جرأة ، يصبح وجودي ثانويا ، وانتظر أن يمن علي المتصل وينهي مكالمته ، وكأنني أرجوه أن يعيد إلي آذان صديقتي ، قبل أن تفتر تلك المشاعر وان تصاب بصدمة جراء الانقطاع السريع والمفاجئ ... تعلمنا في آداب الحديث ألا نقاطع حديثا يجري بين شخصين وان لا نتدخل مهما يكن ، وتعلمنا أن نصغي وان نحدق في عيني المتكلم لنعلمه أننا نفهمه ونتواصل معه ذهنيا ، وبأننا لا نقلل من أهمية حديثه حتى لو لم يكن هذا الحديث يفيدنا أو يعجبنا ... لكن اليوم، يحق للتكنولوجيا ما لا يحق لغيرها ، اصبح من الطبيعي جدا ان يتجاهلنا جليسنا من اجل ان يرد على شخص اخر، شخص ربما يطلبه لحاجة ما ، حاجة ليست بالتاكيد اهم من حاجتنا والا لما كانت تتم على الهاتف! ... اعرف تماما كم سهل الجوال الحياة على الناس ، وعلى رجال الاعمال والاساتذة والمدراء ، ولم يقتصر الامر عليهم ، بل اصبح بائع الخضار ، وحارس المبنى ، والاسكافي ، لا يستغني عنه ، وكأن الاعمال تتوقف ، والمشاريع تفشل من دون الة طنانة في الجيب ... لست الوم احدا، كل انسان له حق الاستفادة من التكنولوجيا ووسائل الاتصال الجديدة ، وكل شخص في داخله حشرية الى اكتشاف كل جديد ، وخاصة اولئك الذين يجدون قيمتهم من قيمة هاتفهم ، كلما كان حجمه اصغر كلما علا شانهم اكثر، وكلما حصل على احدث رنة لأغنية ضاربة كلما كان اكثر اندماجا برفاقه واترابه واكثر فخرا واعتزازا بنفسه. لست اتردد بالاعتراف انني ضد هذا الجهاز ، بل اقول انه عدوي ، اكرهه ، بتطفله وتفاهته وقدرته على ابتزازنا معنويا و ماديا لندفع المزيد والمزيد ونحن سعداء ... ولا اقتنع بانه مهم في حياة كل شخص يريد ان يتقدم وينجح ، لانني ارفض ان اكون في كل وقت عرضة لان انتزع من اعمالي وممارسة اشيائي التي احب ، وهواياتي من اجل ان ارد على صديق يشعر بالملل ربما ، او على صديقة تريد ان تحدثني عن اخر اخبارها ، حتى انني ارفض بشدة ان اتلقى اتصالا من مديري ، او من احد الزملاء لاي سبب ، لانني في اجازة ، امنحها لنفسي فقط ولراحتي ، ولن اسمح لدنيا المال والاعمال ان تصبح كل شيء في حياتي وان يكون الهاتف النقال هو وسيلتها لذلك ... اتخيل دافنشي ، وهو يرسم لوحة الجوكوندا ، اذا رن هاتفه !! كيف تكون ردة فعله ؟ اتخيل عنترة وهو ينظم احد ابيات الشعر في حبيبته ، و اذ به يتلقى اتصالا ، الى اي مدى سيرمي به ويطوحه بعيدا ؟ أتخيل بيتهوفن منشغلا في سمفونيته التاسعة ورن الطنان على خصره ؟. لا شك انه في الزمن الماضي كان للوقت قيمة اكبر، وكانت ممارسة وعمل الأشياء التي نحب ، تتطلب جوا خاصا واستقرارا وعزلة عن العالم وناسه.. اما اليوم ، فليس هناك حدود بين الخاص والعام ، الهاتف يخترق عزلتنا وياخذنا من انفسنا ، يوقظنا من نومنا ، ويتطفل على جلساتنا ، ويسرق اموالنا ، ونحن ، ما زلنا نثني على عبقرية الرؤوس المخترعة لهذه التقنيات ، ونشكرهم لانهم قدموا الينا خدمات من دون مقابل ، واكتفوا بحفنة من الدولارات ، اصبحت لا تحرز " وما بينحكى فيها " لم اعد اؤمن بالتكنولوجيا الحديثة ... لم اعد اصدق بانها خدمت الناس وان اهدافها بريئة تقتصر على تقديم خدمات انسانية ، واكثر ما يثير السخرية ، هو اقناع انفسنا ان كل تقنية هي بمثابة سلاح ذي حدين .. لاننا شعب لا يميز بين هذين الحدين ، ويخلط بين الحد الكارثي والحد الايجابي ، فاذا بهما يتساويان ويكملان بعضهما بعضا وهذا اكبر دليل على فشل هذه التكنولوجيا ، بان تقدم علما ثابتا وكاملا يخدم الناس وجميع الناس الجاهل والمتعلم ، الفقير والغني ، الشاب والعجوز من دون ان تضرهم باي جانب ... اتهاماتي لهذه الآلة ، لا تعود الى نهمها الكبير في اغراء المستهلكين ، وارهاقهم ماديا بطرق سلمية ، وبسيطة ، من خلال خداعهم بانهم عندما يحملون جهازا رنانا ، معنى ذلك انهم استحقوا ان يولدوا في عصر التطور والحداثة ! كما ان تلك الاتهامات ليست تتناول هوس الشباب ، وبحثهم عن احدث الاجهزة واكثرها احتواء للخدمات ، التي لا يفهمون الا ربعها ، وشرائهم للرنات الحديثة والتي جل غايتها شد آذان الناس اليها ، وجعلهم يتمتعون بها ...عداك عن القلق الذي يبدأ في بداية كل شهر ، حول كيفية ملء البطاقة ، والتي قد يدفعهم الى الاستدانة حتى لا يخسروا خطوط هواتفهم !! فيخسرون بذلك وجودهم وعلاقاتهم واشغالهم وتضيع منهم فرص ومواعيد لا تعوض ... بل ان اتهاماتي لها تعود الى امر شخصي ! من حسنات الهاتف الوحيدة ، هي انه يعملنا كيفية التدبير ، والتوفير ، ويحرمنا الاتصال بالاشخاص الذين نشتاق اليهم الا اذا كنا نملك وحدات كافية ، واذا كنا نملك الحظ ، فانه يحدد لنا عدد الكلمات التي يحق لنا قولها ، ويسبب لنا وجع ضمير اذا اطلنا المكالمة ونسينا كم نخسر ... وحدات نشتريها بعشرات الدولارات ، قيمتها اغلى من الكلام ، الكلام الذي نتمنى لو نوصله الى من نحب ، والى من نشتاق ، من دون ان نفكر بالثمن الذي سندفعه ... لقد جعلنا الهاتف النقال نميز بين الشخص " المذوق " وغير المذوق، بين البخيل وبين الكريم ، من خلال ما يسمى بالميسد كول ، الذي يتحول الى معيار يؤدي الى تحدي بين الطرفين والكلام عن الاستفزازات التي تحصل بسببه لا تنتهي .. ربما يرى البعض ان حججنا غير كافية ومقنعة ، لكن كم من تفاهات وصغائر امور ، تنطوي على ابعاد خطيرة وتؤدي الى نتائج غير محمودة اجتماعيا وعاطفيا وانسانيا .. شخصيا ، اتجاهل دائما رنات هاتفنا المنزلي ، وقد استعين بالكذب الابيض ، عندما اكون منشغلة في الكتابة او المطالعة ، ومنسجمة انسجاما تاما : ليست في المنزل ..مشغولة جدا ... مريضة ... ولا اخجل ، لانني اعتبر ان وقتي هو ملكي انا ، ولي الحق في التصرف به كما اشاء .. لست من مالكي الهاتف الجوال ، جربته لأشهر ، ولم تنجح العلاقة بيننا ، فقررت التخلي عنه ،وهو تخلى عني ، وأتمنى أن لا احتاجه لأنني سأضطر إلى إغلاقه في وقت انشغالي بالعمل الذي اعشق ، مع الإشارة إلى أنني دائما منشغلة !!
هذا ما قاله لي والدي عندما اخبرته عن السر الذي احتفظ به قلبي شهورا
وليالي...
في لحظة واحدة ، وقبل ان تكمل الارض دورتها ، تحولت من طاووس مغرور
يختال في محميته الواسعة ، الى مجرد كنار مرهق يقبع في قفص جميل ...
كان ذلك اليوم ، اجمل يوم في حياتي ، كانت سعادة لا توصف اعادت الي
ذكريات بعيدة وقريبة ، تذكرت الغرف والزوايا والكتب الضخمة والاقلام ...
تذكرت الحرمان من عطلة الصيف طوال خمس سنوات ، والقلق والخوف
واحيانا اليأس ، عندما كنت ارمي بالكتب على الحائط واجلس دون حراك
وانا احدق في الفضاء ...قائلة: يوم غد ليس موعد امتحاناتي ...انه ليس موعد امتحاناتي ....
الكتاب ذاته رميته يوم كنت ابحث عن اسمي بين الاسماء المدونة في
قائمة نتائج الامتحانات ، كنت اغمر كل من يصادف انه الى جانبي ،
واعود الى البيت على جناحين من حرير لاطير بهما الى ابي اخبره عن ابنته
التي لم تخيب امله للمرة العاشرة ...
وفي ذلك اليوم ، طرت مع قبعة التخرج التي قذفتها عاليا وحمّلتها آمالي
واحلامي التي لم يعد يتسع لها هذا الكوكب !
اليوم، اشعر بانقباض ، اود لو ادخل هناك ،حيث يجلسون جميعهم ،
واذكرهم بيوم تخرجي ! ولاعيد على مسامعهم ما قاله لي اساتذتي
ومعارفي..لكنني اجد نفسي عاجزة عن فعل ذلك ...
فقد تذكرت ما قاله لي والدي عندما اخبرته عن السر الذي احتفظ به
قلبي شهورا وليالي ...
لقد وجدت السبب، شهاداتي الجامعية ، خبراتي المهنية ، قدرتي على
تحمل المسؤولية ونيلي ثقة اهلي لسنوات طويلة ... كلها لا تكفي ...
كلها لا تشفع لي عند والدي ان يسمعني قليلا .. ان اختلف معه قليلا ...
لماذا نتعلم؟ هل العلم هو مجرد شهادات نزين بها جدران صالونات بيوتنا ،
لتصبح محط انظار ومبعثا للفخر امام ضيوفنا ؟
لماذا نخرج الى الحياة ؟ لماذا نتسلح بالادب والاخلاق والاحترام ،
ولماذا نتزود بالصدق والامانة والطموح والاندفاع؟
فعلنا هذا ...ونجحنا الى اقصى حد ...
لكن ... بالمقابل ، لم نفعل شيئا ! ما زلنا فتيات ... صغيرات بحاجة الى
رعاية دائمة .. الى حماية .. الى من يدير امورنا ... الى من يملي علينا افعالنا
دون استشارتنا حتى !
غريب ، تلك الفتاة التي تخرج الى العالم وتتعلم وتتعرف وتجعل من نفسها
مصدرا لاعتزاز وفخر اهلها ، الا يكون لكل هذا تداعيات ؟ الن يؤثر هذا على
اسلوب تفكيرها وفهمها للحياة ؟ الن تمتلك القدرة والاهلية لان نختار
ونثق ونحب ؟
لا ... لان العلم في مجتمعنا ، هو مجرد شهادات وليس سلوكاً ، وعندما
يتحول الى سلوك تحل نقمة الجميع علينا : علمناها وكبرناها
حتى تتغير؟
ولماذا نتعلم ؟ ان لم يكن لكي نتغير ؟
مجرد حبر على ورق شهاداتنا ... ما اصعب ان نضطر الى اخفاء مشاعرنا
وافكارنا الرافضة لبعض الرواسب في المجتمعات ، ليتهم يسمعوننا فقط ..
وبعدها فليدعوننا نتحمل تداعيات تفكيرنا ومفاهيمنا الجديدة !
هيهات .... لاننا ... فتيات ... فتيات + شهادات معلقة على الجدار ....
في كتابه " العواصف: يتحدث جبران خليل جبران ، عن سليم افندي " ذلك الرجل الذي قرر ذات يوم ان يطبق على نفسه فلسفة معرفة الذات التي علمها سقراط لتلميذه افلاطون..
فما كان منه الا ان دخل غرفته وانتصب كالتمثال امام مراة كبيرة ،محدقا الى وجهه متأملا لساعات وساعات ، الى ان فتح شفتيه والنور مشع في عينيه قائلا:
انا قصير القامة وهكذا كان نابليون وفكتور هوغو!...
انا ضيق الجبهة وهكذا كان سقراط وسبينوزا!.
انا اصلع وهكذا كان شكسبير! ..
انفي كبير ومنحن وهكذا كان سفنرولا وفولتير!
فمي غليظ وشفتي السفلى ناتئة وهكذا كان شيشرون ولويس الرابع عشر .
جسدي نحيل وهذا شأن اكثر المفكرين الذين تتعب اجسادهم في مرامي النفوس...
ويتابع سليم ذكر الكثير من الصفات المعنوية والجسدية على هذا الشكل الى ان يتوقف و يلمس جبهته ويقول :
هذا انا ،هذه هي حقيقتي !
انا مجموع صفات كان حائزا عليها اعاظم الرجال من بدء التاريخ الى يومنا هذا ،وفتى جامع لهذه المزايا لا بد ان يفعل شيئا عظيما في العالم ...انا لا ادري ما هو العمل العظيم الذي ساقوم به ولكن رجلا جمع في شخصه الهيولي وذاته المعنية ما انا جامع لهو من معجزات الايام ومبتكرات الليالي .. لقد عرفت نفسي ، فلتحيى نفسي ولتعش ذاتي ....
لندخل الى تلك الغرفة ذاتها، لكن بعد مرور عقود طويلة وبعد تغير بطل الرواية ، ليتحول من سليم افندي ، الى فتاة تختزل بنات جنسها ،تحاول بدورها ان تعرف ذاتها من خلال فلسفة المنطق ...
تتامل وجهها في مرآتها قائلة :
انا قصيرة القامة ، أميل الى السمنة ، يجب أن اعترف بهذه العيوب التي تجعلني مختلفة وغير مرحب بي بين بنات جيلي، كأنني مخلوقة لزمن غير هذا الزمن ..
انا لا أشبه ولا واحدة من الفنانات اللاتي اعشق...
ورفيقاتي يعيرنني دائما أنني سمينة ، مع ان وزني لا يتعدى الخمسين كيلو ،ربما هن محقات فانا لا يصح ان اكون فتاة اعلانات او عارضة ازياء او مغنية ....
- انفي معقوف الى اسفل ،وهو متعرج بعض الشيء ، ربما هو قصاص من الخالق ، لانه لا يليق بوجهي بل يفسده ، ويواجهني بكل وقاحة عندما أحدق في مرآتي، لم اقدر حتى اليوم ان أتقبله، وان أتأقلم معه كجزء مني ،لا يمكنني ان احبه ، ولن اغفر له وقاحته ، واتمنى لو بإمكاني استبداله ، واتمنى اكثر لو كنا بلا أنوف !
- شفتاي رقيقتان ، تشعرانني بالخجل ، لا توجد مغنية واحدة تمتلك شفتين مماثلتين ، بل على العكس من ذلك، كل الشفاه منتفخة ، وهي مثيرة ، انا خارج دائرة الجمال والاثارة لرفيقاتي الحق ان تعيرنني انني مبتلية بهكذا شفاه ! ولا اشك لحظة واحدة ، ان اول ما سيعترض عليه حبيبي المقبل، هو المبالغة في تقلص شفاهي،لا شك سيخجل بي امام رفاقه ولن الومه ....
- لست انيقة ، لانني لا املك المال الكافي لاتمتع بهذه الميزة، مع انني ابتاع اشياء جميلة وعصرية، لكن الغريب انني لا أرضى ابدا، ولا اقترب من الصورة الموجودة في ذهني ، كأن الموضة لا تليق بي ،او كأنها تسير مسرعة حتى لا اقدر على اللحاق بركبها ! ألم اقل انني لا انتمي الى جيل العصرنة ولا أشبهه؟
انا مجرد فتاة سمينة ، لا تحسن عمل شيء،ولا تفهم فن الحياة وليس لديها الرأسمال الاهم ، الذي يضمن لها سعادتها الدائمة، الا وهو الجمال والجاذبية !
وتتابع هذه الفتاة ، التامل في وجهها وندب حظها ، محاولة ايجاد حل لهذه الازمة، لانها كما يبدو تشعر بالاحباط والكآبة، وربما هي مستعدة لان تهجر الناس والعالم ،من اجل ان لا يرى احد قبحها المزعوم ، فهي تتهم نفسها بالبشاعة ، والبدانة ، وتخلص الى نتيجة مفادها: لا مكان لي هنا !!
وفجأة، تتوقف فتاتنا عن الكلام ، ويشع في عينيها نور وهاج وتقول بحماس:
هذه انا، وهذا هو شكلي ، لا استأهل هذا الظلم ولن اقبل بهذا الغبن الذي سببته الطبيعة لي ، وهذا القبح الذي ورثته عن أجدادي ..
هناك حل واحد ، علي ان اجري عددا وافرا من عمليات التجميل ، فهي خلاصي الوحيد ، كما هي خلاص كل فتاة تعيسة مثلي، انها ضمانة محبة الناس وتقبلهم لي ، وأيمانهم بجمالي ، وهي السبيل الوحيد للفت أنظار الشباب وإثارة اهتمامهم ،وبذلك استعيد ثقتي بنفسي واحصل على وجه جديد لا يشبه وجوه القرويات ، وجه تتجسد فيه ملامح الجميلتين هيفاء ونانسي ،هما ليستا افضل مني ، وانا قادرة ان اكون الاجمل ...
سأطل بعد شهور ، بنيولوك جديد ، وسوف لن ينافسني احد ، ساكون مخلوقة جديدة جميلة وأنيقة ، ولا يهم بعدها شيء ، ربما سأتمكن من العمل في الإعلام او الأزياء او الغناء، كم سيكون هذا ممتعاً ، وكم سيوفر علي عناء الجد والسهر على مقررات دراسية آكل الدهر عليها وشرب !!
حقيقة لا مجال للنقاش فيها، ويصعب تبديلها رغم مرارتها وقسوتها ، وقوفهن جميعا امام المرآة، وعدم رؤية إلا ملامحهن الخارجية ، وعزفهن عن التأمل بجمال الروح والنفس...
والمؤسف ، قدرتهن على خداع أنفسهن ، وتباهيهن بذلك ، وإيمانهن بان من سبقهن الى إجراء عمليات التجميل ، هن اجمل واكثر إثارة وأنوثة ...
كيف يمكن ان احسد فتاة على جمالها ،و أنسى ان أبارك طبيب التجميل الذي أتقن رسم وجهها ؟
كيف اثني على اناقة فتاة ما، التي اكتسبتها من قدرتها على شراء اغلى الماركات، واتجاهل انها اناقة مصطنعة ، وانها تعود الى ان الله وفقها بالمال الكافي ...
وكيف احسد فتاة على جمال وجهها وعلى لون شفاهها الأحمر ، وعلى خديها الموردين ، وانا أدرك تماما ان ذلك يعود الى مهارة خبير التجميل والماكياج وان فضلها الوحيد في ذلك هو في خروجها من بيتها ودفع أجرة المواصلات واجرة الطبيب ، ليس اكثر!
يبدو هذا الكلام مثالياً وغير واقعي ، كأن من تكتبه لا تعيش في هذا الزمن ، تحاول ان تعيد عبثاً ما سبق ، كأنها لا تدرك أن الأوان قد فات ، وكل طبيعي هو شواذ واستثناء ..
ولا استغرب ، لان الزمن اليوم اصبح يعتمد على القشور ، لن أقول اكثر من اللب ، لان اللب أصلا لم يعد موجودا ...
يسيطر على عقول الفتيات هاجس الجمال والأناقة المبالغ فيها ، فيلجان الى مخلصهن ، دكتور التجميل ، ويوفرن المال للإنفاق على مظهرهن ،وهن لا يعتبرن هذا الإنفاق في غير محله ، او مبالغ فيه ، بل هو أساسي وضروري لكي يحافظن على أنوثتهن ومكانتهن في المجتمع ، والاهم على ثقتهن بأنفسهن ، التي أصبحت رهناً للمسات يد المجمل والمزين والمصمم ...
تناسينا ، جمالنا الداخلي وسماتنا الجمالية التي لو التفتنا اليها أغنتنا عن آلاف العمليات والجلسات المتعبة ، التي لا تجر سوى الآلام والعذاب ، لتتحول بعدها الى اجزاء دخيلة ..
ما زلت اذكر ، جملة علقت في ذهني ، منذ طفولتي ، عندما كنت أتسمر امام جهاز التلفاز ، أتابع أفلاما أجنبية على قناة ديزني ، تلك الفتاة الوحيدة التي لا تثق بنفسها والتي تسخر منها صديقاتها ، تصر عليها أمها ألا تكف عن ترداد العبارة نفسها في ذاتها الاف المرات وهي :: انا اجمل فتاة في العالم....
العبارة التي نكررها اليوم،هي :لست جميلة ، ينقصني هذا وهذا .. وقليل من هذا والكثير من هذا ... ويا ليتنا نصل الى غاياتنا والى القناعة الكاملة ....
كم كان محقا بذلك الفيلسوف الألماني نيتشه عندما قال : لا يتنكر او يتجمل الا القبيح!!
اين هي الصراحة؟ واين هو الصدق ؟ واين اعتزازنا ومحبتنا لانفسنا ، واين قبولنا وترحيبنا بما وهبتنا اياه الطبيعة من خلق كامل وسليم ؟ اين هي تلك الفتاة التي لا تهتم الا بتطوير عقلها وثقافتها واكتشاف اسرار وجمال الحياة الصادق غير المزيف ؟
الجمال ليس جمال الشكل، متى نفهم هذا؟ ونكف عن فعل تلك الحماقات والتفاهات ..متى نحب انفسنا، متى نعشق أنوفنا الوقحة فقط باعتبارها جزءاً منا ،واحدى ملامحنا التي رافقتنا في كل مراحل حياتنا ، متى نعلق صور طفولتنا على جدران البيت ،ونفتخر بكل ما فينا ؟ بدل ان نحاول محو تلك الصور وإخفائها ،ونصر على انها لا تخصنا وان الفتاة التي بداخلها ليست موجودة؟
عندما نتعلم الصدق ونحب الحياة ، سنكتشف ان للبشاعة جمالاً ، وان في عكوف الانف وبروزه سحر خفي لا يشعر به الا نحن ! وان في لون العيون ونعومة الشفاه رسالة من الله يخبرنا فيها اننا مميزات ويطلعنا فيها على أسرار وجودنا ...
ستفتخر كل واحدة منا ، أنها الوحيدة في كل العالم التي تملك هذا الوجه ، وهذه الصفات ، وستتحدى أهم جراح ان يرسم مثله ...
كيف نقبل ان نزيل هذا التميز وان نحتقر هذا الاختلاف؟
من سيقف في وجهنا عندما نقول اننا جميلات اكثر من هيفاء واخواتها ، واذا ما سخروا منا نقول لهم، لمسات الخالق اجمل وابهى من لمسات اكبر واشهر الاطباء الجراحين !!
لنحب أنفسنا إذا، ولنتوقف عن فعل تلك الحماقات .....
هل رأى احدكم ، وردة تترك الحديقة لتقف امام عيادة جراح التجميل ؟ هل راى فراشة تقصد الكوافير او مصمم الازياء ؟
شكلنا كما منحه ايانا الله هويتنا ، فلماذا نلجا الى التزوير ؟
نشرت في الديوان الظبيانية
<<الصفحة الرئيسية







