مجــّرد .. أفـــــــق
نصوص في الحياة والحرية والاختلاف .
.
.

التكنولوجيا ضد الحب ؟.

 

للمرة الثالثة تعتذر مني صديقتي لتجيب على هاتفها الجوال ...

شعور بالتذمر ، يصيبني ...يتبعه شعور بالغضب ، كنت مندفعة تماما وأنا انقل لها أحاسيسي ومشاعري ، وكانت منسجمة معي كليا، رنة من جهاز جامد ، عطلت علينا انسجامنا وأخذت صديقتي مني ...بكل جرأة ، يصبح وجودي ثانويا ، وانتظر أن يمن علي المتصل وينهي مكالمته ، وكأنني أرجوه  أن يعيد إلي آذان صديقتي ، قبل أن تفتر تلك المشاعر وان تصاب بصدمة جراء الانقطاع السريع والمفاجئ ...

تعلمنا في  آداب الحديث ألا نقاطع حديثا يجري بين شخصين وان لا نتدخل مهما يكن ، وتعلمنا أن نصغي وان نحدق في عيني المتكلم لنعلمه أننا نفهمه ونتواصل معه ذهنيا ، وبأننا لا نقلل من أهمية حديثه حتى لو لم يكن هذا الحديث يفيدنا أو يعجبنا ...

لكن اليوم، يحق للتكنولوجيا ما لا يحق لغيرها ، اصبح من الطبيعي جدا ان يتجاهلنا جليسنا من اجل ان يرد على  شخص اخر، شخص ربما يطلبه لحاجة ما ، حاجة ليست بالتاكيد اهم من حاجتنا والا لما كانت تتم على الهاتف! ...

اعرف تماما كم سهل الجوال الحياة على الناس ، وعلى رجال الاعمال والاساتذة  والمدراء ، ولم يقتصر الامر عليهم ، بل اصبح بائع الخضار ، وحارس المبنى ، والاسكافي ، لا يستغني عنه ، وكأن الاعمال تتوقف ، والمشاريع تفشل من دون الة طنانة في الجيب ...

لست الوم احدا، كل انسان له حق الاستفادة من التكنولوجيا ووسائل الاتصال الجديدة  ، وكل شخص في داخله حشرية الى اكتشاف كل جديد ، وخاصة اولئك الذين يجدون قيمتهم من قيمة هاتفهم ، كلما كان حجمه اصغر كلما علا شانهم اكثر، وكلما حصل على احدث رنة لأغنية ضاربة  كلما كان اكثر اندماجا برفاقه واترابه واكثر فخرا واعتزازا بنفسه.

لست اتردد بالاعتراف انني ضد هذا الجهاز ، بل اقول انه عدوي ، اكرهه ، بتطفله وتفاهته وقدرته على ابتزازنا معنويا و ماديا لندفع المزيد  والمزيد ونحن سعداء ...

ولا اقتنع بانه مهم في حياة كل شخص يريد ان يتقدم وينجح ، لانني ارفض ان اكون في كل وقت عرضة لان انتزع من اعمالي وممارسة اشيائي التي احب ، وهواياتي من اجل ان ارد على صديق يشعر بالملل ربما ، او على صديقة تريد ان تحدثني عن اخر اخبارها ، حتى انني ارفض بشدة ان اتلقى اتصالا من مديري  ، او من احد الزملاء  لاي سبب ، لانني في اجازة ، امنحها لنفسي فقط ولراحتي ، ولن اسمح لدنيا المال والاعمال ان تصبح كل شيء في حياتي وان يكون الهاتف النقال هو وسيلتها لذلك ...

اتخيل دافنشي  ، وهو يرسم لوحة الجوكوندا ، اذا رن هاتفه !! كيف تكون ردة فعله ؟

اتخيل عنترة وهو ينظم احد ابيات الشعر في حبيبته ، و اذ به يتلقى اتصالا ، الى اي مدى سيرمي به ويطوحه بعيدا ؟

أتخيل بيتهوفن منشغلا في سمفونيته التاسعة ورن الطنان على خصره ؟.

لا شك انه في الزمن الماضي كان للوقت قيمة اكبر، وكانت ممارسة وعمل الأشياء التي نحب ، تتطلب جوا خاصا واستقرارا  وعزلة عن العالم وناسه..

اما اليوم ، فليس هناك حدود بين الخاص والعام ، الهاتف يخترق عزلتنا وياخذنا من انفسنا ، يوقظنا من نومنا ، ويتطفل على جلساتنا ، ويسرق اموالنا ، ونحن ، ما زلنا نثني على عبقرية الرؤوس المخترعة لهذه التقنيات ، ونشكرهم لانهم قدموا الينا خدمات من دون مقابل ، واكتفوا بحفنة من الدولارات ، اصبحت لا تحرز " وما بينحكى فيها "

لم اعد اؤمن بالتكنولوجيا الحديثة ...

لم اعد اصدق  بانها خدمت الناس وان اهدافها بريئة تقتصر على تقديم خدمات انسانية ، واكثر ما يثير السخرية ، هو اقناع انفسنا ان كل تقنية هي بمثابة سلاح ذي حدين ..

 لاننا شعب لا يميز بين هذين الحدين ، ويخلط بين الحد الكارثي والحد الايجابي ، فاذا بهما يتساويان ويكملان بعضهما بعضا وهذا اكبر دليل على فشل هذه التكنولوجيا ، بان تقدم علما ثابتا وكاملا يخدم الناس وجميع الناس الجاهل والمتعلم ، الفقير والغني ، الشاب والعجوز من دون ان تضرهم باي جانب ...

اتهاماتي لهذه الآلة ، لا تعود الى نهمها الكبير في اغراء المستهلكين ،  وارهاقهم ماديا بطرق سلمية ، وبسيطة ، من خلال خداعهم  بانهم عندما يحملون جهازا رنانا ، معنى ذلك انهم  استحقوا ان يولدوا في عصر التطور والحداثة !

كما ان تلك الاتهامات ليست تتناول هوس الشباب ، وبحثهم عن احدث الاجهزة واكثرها احتواء  للخدمات ، التي لا يفهمون الا ربعها ، وشرائهم للرنات الحديثة والتي جل غايتها شد آذان الناس اليها ، وجعلهم يتمتعون بها ...عداك عن القلق الذي يبدأ في بداية كل شهر ، حول كيفية ملء البطاقة ، والتي قد يدفعهم الى الاستدانة حتى لا يخسروا خطوط هواتفهم !! فيخسرون بذلك وجودهم وعلاقاتهم واشغالهم وتضيع منهم فرص  ومواعيد لا تعوض ...

بل ان اتهاماتي لها تعود الى امر شخصي !

من حسنات الهاتف الوحيدة ، هي انه يعملنا كيفية التدبير ، والتوفير ، ويحرمنا الاتصال بالاشخاص الذين نشتاق اليهم الا اذا كنا نملك وحدات كافية ، واذا  كنا نملك الحظ ، فانه يحدد لنا عدد الكلمات التي يحق لنا قولها ، ويسبب لنا وجع ضمير اذا اطلنا المكالمة ونسينا كم نخسر ...

وحدات نشتريها بعشرات الدولارات ، قيمتها اغلى من الكلام ، الكلام الذي نتمنى لو نوصله الى من نحب ، والى من نشتاق ، من دون ان نفكر بالثمن الذي سندفعه ...

لقد جعلنا الهاتف النقال نميز بين الشخص " المذوق " وغير المذوق، بين البخيل وبين الكريم ، من خلال ما يسمى بالميسد كول ، الذي يتحول الى معيار يؤدي الى تحدي بين الطرفين والكلام عن الاستفزازات التي تحصل بسببه لا تنتهي ..

ربما يرى البعض ان حججنا غير كافية ومقنعة ، لكن كم من تفاهات وصغائر امور ، تنطوي على ابعاد خطيرة  وتؤدي الى نتائج غير محمودة اجتماعيا وعاطفيا وانسانيا ..

شخصيا ، اتجاهل دائما رنات هاتفنا المنزلي ، وقد استعين بالكذب الابيض ، عندما اكون منشغلة في الكتابة او المطالعة ، ومنسجمة انسجاما تاما : ليست في المنزل ..مشغولة جدا ... مريضة ...

ولا اخجل ، لانني اعتبر ان وقتي هو ملكي انا ، ولي الحق في التصرف به كما اشاء ..

لست من مالكي الهاتف الجوال ، جربته لأشهر ، ولم تنجح العلاقة بيننا ، فقررت التخلي عنه ،وهو تخلى عني ، وأتمنى أن لا احتاجه لأنني سأضطر إلى إغلاقه في وقت انشغالي بالعمل الذي اعشق ، مع الإشارة إلى أنني دائما منشغلة !!

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.