مجــّرد .. أفـــــــق
نصوص في الحياة والحرية والاختلاف .
.
.

مذكرات شابة عربية ؟. 1

جهلهم بي تركني خلف الأضواء؟.

 

قبل اثنتي عشرة  سنة... أمسكت قلماً  بيدي ، لأكتب، على ذاك الدفتر الأصفر الصغير، خاطرا مر في بالي  ...

لم اكن أدرك أبدا أن تلك الخاطرة لن تنتهي وان القلم لن ينفلت من يدي ..حتى يومي هذا...

قبل تلك السنين ، كانت آلاف الخواطر تمر في رأسي ، وكان الأثير يدوّنها ..

إلى أن كبرت وأصبحت نفسي مليئة بالثمار .. وقلبي مليئا بالمشاعر والحب ، وعقلي يخزن أفكارا وفرضيات ...

لم يعد الأثير مكانا رحبا لنفسي وقلبي  وفكري  ...ضاقت الحياة ولم تسعني سوى ورقة بيضاء .

أمسكت قلمي ودخلت غرفتي ... وبدأت اكتب نفسي .. أدونها حروفا  وأرقاما ...بيد أن تلك الحروف لم تكن مجرد لغة  وقواعد لغة ... إنما تضمنت قلبي في ثناياها ،باتراحه وأفراحه.. أماله وآلامه ......ووحدته وشوقه الكبير إلى الحياة ...

على  صفحات ذاك الدفتر، أودعت تلك الفتاة سرها ...

واليوم، يشدني الحنين إلى مكتبتي ، فالمح فيها دفاتر كثيرة ...اختار منها واحدا ..

يعيدني إلى ما قبل اثنتي عشرة سنة ... ينتفض قلبي ،وأنا أراقب تلك الفتاة الجالسة في غرفتها وحيدة ...الغرفة دافئة .. يخيم عليها الشوق ويسكن فيها الحب ممزوجا بلوعة الانتظار.. وتلك الرغبة في اختراق الجدران ،وإزاحة العوائق  من اجل الهروب إلى المستقبل ، والانطلاق...... إلى الحياة...

استشعر غربة كانت تملؤني ...تتبعها محاولات جاهدة لكشف  سرها، وكنت واثقة أن ذلك سيتم بعد ان أحيط بمكنونات الحياة وماهيتها ،كان من العسير جدا الوصول الى غايتي ، وبقيت لا افهم  الحياة كما هي ... كل مرة اسميها اسما مختلفا عن المرة الثانية ، الى أن ضاق صدري .. ورحت ارسم مخططي لحياة جديدة ، فابتدعت عالمي الخاص بي ...وجعلت نفسي البطلة ... وما لبثت ان رحت ابحث عن رفيق .. كان دفتري هو الحمام الناقل للرسائل والأشواق ...كان صديقي السري ، مرآة ضميري الخاصة جدا فقط على صفحاته أمارس الصراخ كما أريد ... وكم شربت السطور دموعي وكم رقصت على أوتار فرحي القليل ...

اليوم...كثيرة هي الخواطر... وكثيرة هي الدفاتر المزروعة في مكتبتي... وعميقة  هي الأحاسيس والمشاعر التي تعتريني عندما امسك إحداها ، لأقرأ نفسي داخل الصفحات ، وفي رائحة الورود اليابسة ، التي ، كل واحدة منها، تخبر قصة حب...وحلم..

 هكذا كبرت.. وأنا امسك قلمي وأدون ... كبرت وأنا أتأمل ...أفكر... وأحس ...

لقد كبرت على صفحات دفاتري ...وكبر معي سؤال كبير وهو:

من انا؟

هذا السؤال كان محورا لكتاباتي ...وكان همي الملازم لي هو  الإجابة عليه ...

كل فتاة ،في داخلها سؤال يبحث عن إجابة ..

 كل فتاة برقتها وشفافيتها وبراءتها ... عندما تنضج تبدأ في البحث عن هوية لها ، وعن شخصيتها الخاصة ، تبحث عن نفسها ، وتبحث عمن يتعرف إلى داخلها  ، ويحفظ ملامح وجهها ،ثم يمسك بيدها لتعبر الى الحياة ...

والفتاة العربية ، تنشا في بيئة  لا تلتفت غالبا  الى وجودها كعنصر يفيض بالمشاعر، يحتاج أن ياخد ، كما يحتاج إلى أن يعطي، ففي داخلها كم هائل من الحب والحنان  والرغبة في العطاء...

 ان هذه النفس التي تسبح غالبا في فضاء  غير فضاء محيطها المادي،تتفتح على حب المعرفة ، وتسأل عن ماهيتها ، وهذا أمر طبيعي تمر به كل نفس بشرية ، في بداية دخولها مرحلة المراهقة ، فكيف الحال بالفتاة العربية التي تربى على حب العطاء والمحبة  من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، تبقى وحيدة ، اذا ما أحست بالخطر المحدق بها من قبل محيطها الذي قد لا يضمها  ويحتضنها بأحلامها وطموحاتها عندما تحتاج الى حضن ما ...

هذا ما كانت عليه حياتي في تلك الآونة ، وهذا هو حال كل صبية ، فأنا عندما أدون مذكراتي ، فإنني اكتب تجربة كل الفتيات العربيات ،  واثقة من أنني اعكس روح كل واحدة  منهن ، وان اختلفت معهن على بعض التفاصيل ...

 فالثقافة واحدة ، والتربية واحدة ، والمحيط واحد والأحلام والأماني.. والقلوب ...كلها واحدة   ..

عشت في تلك الفترة من عمري، التناقضات ...

الخوف من المجهول ، وفي الوقت نفسه ، الشوق إلى آلاتي ومعرفة خبايا المستقبل..

انشاد العزلة ، وشرب الشاي في الطبيعة ، والتكلم مع نفسي والتأمل في وجهي ، ومخاطبة القمر من شباك غرفتي ..

كل ذلك كنت افعله وحدي ،تارة تغمرني السعادة ، واخرى تسيرني التعاسة خلفها... مسلمة بوجود نقص في داخلي ، يجعلني وحيدة..

ومن ناحية اخرى ، كنت احب الإنخراط بالناس ، وكنت أراقبهم ، واكتب عنهم ، وارى صورتي من خلالهم .. أحيانا  قبيحة .. وأخرى حسناء...

احيانا ، كنت أثق بشدة ، أنني فتاة مميزة ، بل واهم فتاة في العالم ، وكنت أؤمن ان المشكلة هي في الناس لأنهم لا يعرفونني بعد ، حتى أقربهم الي .. كان جهلهم بي يجعلني خلف الأضواء ...

وأحيانا أخرى ،كنت اكره نفسي ... وينتابني شعور بالكآبة ، من دون ان اعرف السبب .. كنت استسلم ... فارفض نفسي، واتمنى لو انني كنت اية واحدة : إلا " انا" 

يمر امامي طيف تلك الفتاة  ابنة الثلاثة عشر ربيعا ...

ينقبض قلبي حزنا عليها ... وتقر عيني اعتزازا بها ....

مشاعر مختلطة ...نبوءة : أن هناك فتاة قادمة الى الحياة ...تنتظر حضنا ، تنتظر فسحة لتتكلم ...

مذكراتي .... لا تحوي أحداثا مهمة ، هي لا تشبه مذكرات كلينتون او هيكل ، هي لا تحتوي أسرارا تتسابق عليها الصحف والمجلات، هي لا تتضمن تاريخا يتعلق باستقلال بلد او بوقوعه تحت نير الاحتلال ...

مذكراتي .... ليست مذكرات  فتاة من كوكب آخر.. او من عالم اخر...ولا مذكرات نجمة سينما او غناء او سيدة مجتمع خارقة للمألوف .

انها بكل بساطة شهادات من الواقع مع بعض الأحاسيس المنتشرة في روح  الكلمة، مذكراتي، هي الشاهدة الأولى على انبعاث الحياة في فتاة .. كغيرها .. ولا تشبه غيرها...

حياة بدأت بفسحة امل... بخيبة يتبعها قرار الوحدة ، ثم التراجع عن القرار بعد إدراك الحاجة الى الناس وحب الناس....

ثم الحب،حين نسّم هواؤه في ارجاء تلك الغرفة، فحرك الستائر، وحرك معها قلب الفتاة

ثم انكسار وهم الحب .. انكسار يجر الأحزان والآلام..

التفوق في المدرسة ... كتابة الأشعار ... التشجيع من قبل البعض القليل ، الوصول الى الجامعة ... والأحلام تكبر ... وتتحقق شيئا فشيئا...

التجارب المختلفة .. في الحب، في العلاقات مع الصديقات والأصدقاء... اثر الحروب والنظرة الى الموت .. حب الطبيعة ... فلسفة الألم ....

كلها امور كنت ابحث فيها عن ذاتي ...احيانا اجدها ثم افقدها ..

ابحث عن انتمائي ...الى الحياة ام هامشها؟ الى لبها ام قشورها؟

لكنني كنت المس جمال الحياة برقة بالغة... من خلال الطبيعة وجمالها ، من خلال التأمل فيها عندما اختلي بنفسي ، تحت شجرة ما ، او في زاوية من غرفتي ،...واضعة كتبي الى جانبي ، وقلمي كما كل مرة.. يشتعل في يدي...

عالمي الخاص ... كم كنت أخاف ان يكتشفه أحد ما ، فيستهتر به ...ويعبث بأوراقي ، ويسخر من فلسفتي ...

عالمي الخاص .. أودعت فيه آلامي ودموعي ، إصراري على اكتشاف الحياة ..ذلك الهاجس اللجوج الذي كان يسبب لي الارق في كل ليلة ...

قلمي ... ساندني دوما ،وساعد الأثير في حمل بوحي واعترافاتي .. الى حيث لا نهاية ...

على دفتر يومياتي تركت أنفاسي....

انها أوراق كثيرة ...شهدت قدومي الى الحياة ، وعلمتني  كيف احبها وأواجه من لا يحبها ...أعطتني فلسفة مؤقتة ...ومفاهيم مستمدة من خبرتي القصيرة الطويلة... علمتني ان احب .. وان أعطي من نفسي وروحي ... ولكنها علمتني أيضا أن لا أنسى :

أنني أهم فتاة في العالم...

إنها مذكرات فتاة عربية , مجرد يوميات ربما لن يتوقف أمامها أحد , لكنني سأقولها لأنها ليست فقط تاريخا لأيام عابرة , إنها تاريخ حياة ومراحل ومستقبل لا شك يجيء .

 اللجوج الذي كان يسبب لي الارق في كل ليلة ...

قلمي ... ساندني دوما ،وساعد الاثير في حمل بوحي واعترافاتي .. الى حيث لا نهاية ...

على دفتر يومياتي تركت انفاسي....

انها اوراق كثيرة ...شهدت قدومي الى الحياة ، وعلمتني  كيف احبها واواجه من لا يحبها ...اعطتني فلسفة مؤقتة ...ومفاهيم مستمدة من خبرتي القصيرة الطويلة... علمتني ان احب .. وان اعطي من نفسي وروحي ... ولكنها علمتني ايضا ان لا انسى :

انني اهم فتاة في العالم...

انها مذكرات فتاة عربية ....

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.