اعتبرونا غير صالحات !! 20تشرين الثاني 1993 يوم امس ، شعرت بأنني عاجزة عن اكمال فروضي في اللغة الفرنسية، بسبب كثرتها وصعوبتها ، ذهبت الى امي اشكيها وانا اتافف ، فما كان منها الا ان قامت بزيارة الى المدرسة تطلب رؤية معلمة اللغة الفرنسية " دينا " . لقد فاجاتني ردة فعل المعلمة ، حيث وفور دخولها الى الصف ، التفتت الي وتقدمت مني وسالتني والغضب باد في عينيها : : كم عمرك؟ اجبتها : اربعة عشر عاما. فقالت : هل تعتبرين أن عمرك يخولك أن تحكمي على كفاءتي وعلى أسلوبي في التعليم ؟ اجيبيني ! شعرت عندها بالغضب ، لأنها نهرتني أمام الجميع ، وشعرت بخجل كبير لأنها أهانتني أمام صديقاتي ، وتمنيت لو لم اكن موجودة في العالم ، وكم ندمت على ما فعلت ، برغم اقتناعي أنني محقة . وقلت في نفسي ليتني لم أقحم أمي في الموضوع ، وليتني سكت كما فعل الجميع ،لذلك عندما عدت إلى البيت لم اخبر أمي، وإنما دخلت إلى غرفتي – المحراب- كما يسميها والدي ، حيث أنها مكان عزلتي ، دخلت وبكيت كثيراً ، وكم شعرت أنني صغيرة ... في اليوم التالي ، فاجأتني المعلمة دينا مرة أخرى ، عندما اقتربت مني وسألتني بكل رقة : هل انت حزينة بسببي؟ وابتسمت ثم قبلتني ! عندها اعتذرت لها ،وقد فعلت ذلك لاكسب ودها من جديد وليس لاعترافي انني اخطأت 20 حزيران 1996 قررنا اليوم ، لأول مرة أن نشتري مجلة فنية، لا اعرف ما الذي دفعني وصديقتي هبة إلى اتخاذ هذا القرار ، ذهبنا الى المكتبة ، ووقع نظرنا على مجلة الحسناء ، ابتعناها وعدنا إلى زاويتنا المعتادة حيث نجلس خلف بيتنا، وأخذنا نتصفحها ، محاولين استكشاف ما فيها ، أزياء وفنانين، وشباب وغيرها ، توصلنا إلى أنها مجلة لا أخلاقية ، وأنها لا تفيد بشيء حيث لا تحتوي اي خبر عن شعراء او أدباء او قبائل بدائية او عن مدام كوري وغيرها ...لم نكن ننتمي الى جيل يعايشنا ويقاربنا في السن , ويبدو أن البيئة تعلم أهلها أحيانا ما لا تعلمهم اياه المدارس والكتب . ثم قررنا ان تستعيرها رفيقتي يوما وانا يوما آخر، وهذا ما حصل. في اليوم الثاني، جاءت الي هبة باكرا وهي تحمل المجلة وتبدو قلقة قالت لي: لا استطيع ان اقراها،لقد راتني امي ، وهي القت اللوم عليك ، عندما عرفت اننا ذهبنا معا ، وطلبت مني الا افعل ما تفعلين، واعتبرت انك تخربين عقلي !! كم صدمني كلامها وجرحني، شعرت بالغضب والرغبة بالانتقام من امها، وبكينا معا ونحن نحاول ان نشرح موقفنا ونيتنا الصافية لبعضنا البعض... لماذا يفهموننا كما هم يريدون؟ لماذا يعتبرون أننا غير صالحات لمجرد أننا نقرا مجلة لا نملك أية نية في الاقتداء بها؟ شعرت وقتها بالغضب من كل شيء، ولم اعد اثق باهلها ولم اعد احب ان ازورها في بيتها ....لانهم اساؤا فهمي واتهموني انني افسد ابنتهم ... 15 تموز تبلغني صديقتي " زينب" انها حزينة بسببي ، لانني اقضي معظم وقتي مع صديقتي الجديدة هبة ، وتذكرني انها اقدم من هبة واننا عشنا طفولة واحدة ... منزل هبة الى جانب منزلي ، ونحن اعتدنا على رفقة بعضنا ، ونحن نتقاسم لحظات الصبا معا ، لكن هذا لا يعني انني لم اعد احب زينب ونرجس ومريم ابدا، على العكس ، اوقاتي معهم لا تعوض... انا لا استغني عن احد ... كنت وهبة ، في الجنينة ، خلف بيت جدي ، في ظل شجرة زيتون نكتب ، عندما سمعنا دويا ، ظننا انه جدار الصوت" ،و ركضنا كان الجميع قد خرج من بيته ، وينظر الى الجبل ، حيث كما يبدو ان هناك قذائف إسرائيلية تسقط كما العادة. ثم تبعها تحليق كثيف للطيران ، شعرنا بالخوف ، ونزلنا نحن الفتيات الصغار الى الملجأ ، وهناك أخذنا نتسلى ، وننكت ، حتى نسينا ما يحصل في الخارج . لحظات قليلة وعادت المياه إلى مجاريها . كم جعلتنا سنوات الحرب نخترع لأنفسنا ملامح واقية , كم جعلتنا نتغير ونعتاد فكرة أننا نتكيف مع الأمر الواقع . 28 - تموز ينتابني شعور غريب اليوم ، منذ الصباح ، انني ساموت قريبا ، لا اعرف لماذا . انظر الى الاشجار فاشعر انها المرة الاخيرة التي اراها فيها ، واقتربت منذ قليل من ورود الدار ، كانني اودعها ، اشعر بحزن عميق ، كانني لست حية . على الرغم من قضائي النهار كله مع صديقتي هبة ، إلا أنني اشعر دائما أنني وحيدة في هذا العالم ، وان لا أحد حتى الآن يعرفني ، في قلبي أحلام وآمال كثيرة ، لو اطلعت أحدا عليها سوف لن يفهمني ، أفكر أحيانا أن الحب يمكن أن يجلب لي شخصا يفهمني ، سيكون الحب خلاصي الوحيد ، لكنني لا اشعر أني يمكن أن احب ، لأنني لا ادع أحدا يدخل إلى أعماقي ، ولان لا أحد يملك الصورة الصحيحة عني ، لا أحد يعرف كم يوجد في قلبي من حزن واسى ووحدة ، ما زلت لا أدرك أسبابها . احيانا افكر لو كانت الحياة مختلفة ، لو كنا لا نشيخ ولا نموت، ولا نبكي ولا نتعب ، لو كنا ولدنا فقط للغناء والفرح والتامل في الطبيعة وجمالها ،ومدى ابتعادنا عن الاشياء الروحية ، نحن نجعل الحياة متعبة ونحن نجعلها مشرقة ... حتى شوك الورود فيه جمال ،الشمس ، الشتاء ...البنات جميلات حين يبتسمن ، الشاب المهذب ، المرأة جميلة حين تجلس بعد عناء يوم طويل ، تتكىء على الوسادة ، والختيار جميل حين يلاحق الطفل المشاغب بعصاه التي يعتبرها جزءا من جسده ،تجاعيده تعطي معنى للحياة لا يوصف ... غدا، نتائج الامتحانات ، إنها مسالة حياة أو موت ، إذا فازت " رنا المغرورة " التي تخبرني أن مجموع علاماتها أعلى من علاماتيوستحظى بالدرجة الأولى , ستكون نهايتي حتما .. 15-كانون الاول -1996 حتى اليوم، لم يخطر على بالي أن أسأل نفسي: هل المزاح يؤدي إلى شيء خطير؟ انا عندما امازح اصدقائي ، فان جل غايتي ان اعبر عن استلطافي وصداقتي مع هذا الشخص،لكن يبدو ان ما حصل اليوم ، اثبت لي انه علي ان اكون حذرة في التعامل مع الشباب في صفي. لا اصدق ما فعله، لقد رسم قلبا على الطاولة ، ووضع حرف اسمه وحرف اسمي، لقد صدمني ، لأنني لم أتصور انه يفكر بنية سيئة ، كنت اعتقد انه شخص بسيط وطيب ، لكن يبدو انه يفكر بالعلاقات الغرامية والعواطف ، كم اشعر انه تافه، وكم اكرهه ، سوف اجعله يندم على فعلته هذا إذا لم اشتكيه إلى المدير العام ، حتى يتعلم كيف يحترم الفتيات في صفه ، وان لا يتسلى ويضيع الوقت على أمور ما زال لا يفهمها وما زلنا صغارا عليها .... 17-كانون الأول- اليوم بدلت مكاني ، جلست في الصف الاول ، من اجل ان أتجنب رؤية ذلك الفتى الطائش، اعتقد انه ادرك خطأه بعد ساعات ، فقد كنت أتجاهله كلما أراد مكالمتي، إلى ان أخبرتني صديقتي انه يريد ان يعتذر،مبررا انه كان يمزح فقط، حسنا لقد اعتذر مني ، لكنني هددته بان اخبر الناظر أن فعل أمورا مماثلة ، على كل حال، لن تعود الصداقة كما كانت فأنا لم اعد اثق به ،وهذا ما يهمني ، ما أريد ان افعله هو التركيز على مستقبلي ودراستي ، ولن أضيع وقتي كما تفعل بعض الفتيات في صفي، في مكالمة الشبان وإضاعة الوقت أثناء الشرح وتلقي الانتقادات من الأستاذ ، سوف لن أتغير ... اليوم، شعرت برغبة قوية في القيام بامر يستحيل القيام به . تمنيت لو بإمكاني ان أسافر الى بلاد أخرى ، وان أعيش وحدي ، في منزل جميل وبعيد عن كل الناس ، احب ان أتعرف إلى فتيات أخريات في العالم الآخر، مثل فتيات باريس ولندن وكندا ، احب ان اعرف كيف يقضين أوقات فراغهن ، ما هي أحلامهن وطموحاتهن ، وهل تقتصر كما هنا على الاهتمام بالبيت والدرس والبقاء سجينات في المنازل؟ ارغب في ا اتذوق طعم الحياة ، اركب طائرة وارحل، وارى بلادي ترحل من خلفي، لقد سئمت من نمط حياتي ، درس وقوانين وممنوعات، اريد ان اكون حرة لا يتحكم بي احد ، واكون سعيدة لاول مرة في حياتي ، بعيدا عن قسوة الناس وانتقاداتهم اللاذعة ، وثرثراتهم ،احلم بما وراء البحار ...خذني الى هناك يا قدري ، لاتعرف الى الحياة ... أي معنى لعيد الحب لدى من لم يجربوا الحب؟. 24الى هنا- كانون الاول - 1996 انها نهاية العام الدراسي، يخالجني شعور بالفرح والاسى ... الفرح لانني اشتقت الى القرية كثيرا، واشتقت الى صديقاتي هناك اللواتي ينتظرن قدومي من اجل تنفيذ المشاريع الصيفية المعتادة ، واشعر بالاسى لانني سافارق صديقاتي هنا واستاذ فيصل ، والكتب المدرسية. غدا اليوم الاخير من الامتحان ، مادة الانشاء احبها كثيرا ، انا اقرأ الان في كتاب لجبران خليل جبران ، شعرت بانني ارغب في المطالعة بعيدا عن الكتب المدرسية . لا تمر لحظة الا وتمر من امامي تخيلات حول كيفية امضائي للصيف ، وكيف سالقى الجميع هناك...اشتقت الى رفيقة روحي ، هبة ، اشتقت الى ان نجلس معا امام بيت جدي الذي نسكن فيه ، ونرسم ونقرا ونتحدث ... 1-1-97 ( الحرب واثرها) 14- شباط يقولون ان اليوم هو عيد العشاق، عيد الورود الحمراء التي يهديها الحبيب الى حبيبته ،ليعبر لها عن حبه . حقا ان الحب شيء عظيم في هذا العالم ،حيث تتحول الوردة الحمراء الى عروس تتنقل من يد الى اخرى . لكن ماذا يعني عيد الحب يا ترى بالنسبة الى الذين لم يعشقوا يوماً؟والذين احبوا وتعذبوا؟ هو يوم الحب نعم، لكن من صنعه؟ اليس الناس الذين عيشون في الغرب؟ وهل هم يعرفون ماذا يعني حب؟ اعتقد انا ان الحب عندهم هو غير نقي كما عندنا، نراهم يمضون هذا اليوم في الاندية ويتناولون الكحول ويغرقون في الضحك والاستهزاء . لا ارى اثرا للحب في سلوكاتهم في هذا اليوم، الحب كما اعرفه هو الممتلىء عذابا وتفانيا وروعة ، الحب بالنسبة لهم يختصر بجسد جميل ورقص بارع .... الحب بالنسبة الينا هو نظرات وابتسامات بريئة وصادقة ، هو حب عذري نقي لا تشوبه شائبة ولا تلوثه القبلات والسلوكيات المنافية للاخلاق والدين ،لمسة اليد عندنا هي قمة الشعور بالحب ،لمسة لا تخلو من الخجل والرقة بينما لا تعني لهم شيئا. في عيدالحب،يغرق عشاقنا في ذكرياتهم،اويلتقون باحبائهم،ويتبادلون الورود الجميلة،اما الذين لم يحبوا بعد،فيشعرون بحزن عميق،ورغبة في استكشاف تلك المشاعر والاحاسيس،واختبارها،فيعزون انفسهم بالعام المقبل الذي بلا شك سيحمل اليهم حبيبا ... اين انت يا حبيبي الاتي؟ لم لم تصل حتى اليوم ؟ لم لم تسلمني بعد وردتي الحمراء التي زرعتها من اجلي؟اين انت يا فارس احلامي ؟ تعبت من انتظارك ، اتعبتني الوحدة ،متى تخلصني منها ؟ كل ليلة قبل ان اغفو ،اسال الليل : من سياخذني اليه؟ تجرحني صديقتي كل مرة تحدثني فيها عن حبيبها ، تسالني وانت الم تلتقي بأحد ؟فاسرح بعيدا بفكري ، واحاول ان اجد الجواب المناسب لكنني لا اجد غير: راسي يؤلمني لنمشي ... 14- آذار احلم بحياة مزهرة، اشعر ان حلمي سيتحقق ، شعور ينبئني ان حياتي ستكون ناجحة ، وانني ساحصل على السعادة يوما ما ، عندما التقي بشخص يحبني ، ويعطيني الحنان ، ويعرفني الى العالم .. سأكون مميزة ، انا بانتظار ان اكبر ، اكبر قليلا بعد، قليلا فقط. انا اعرف ان السعادة هي حتما في طريقها اليّ، انها مسألة وقت ليس اكثر. اليوم كنت اتأمل حياتي ، اولا انا فتاة حسنة المظهر ، ولي اب رائع يتعب ويشقى ليؤمن لي ولأخوتي حياة حسنة ،انا فخورة بديني ، واعرف تماما ماذا يعني ان اكونه . شكرا لله الذي اعطانا من خيراته ، فنحن لا نحتاج الى شفقة احد او حسنات من احد. الهي ، اجعلني مدعاة فخر لوالدي ، ولاهلي ولاهل قريتي ، وارسل الي حبيبا صادقاً ، يجبني ونبني معا منزلا عماده التفاهم والمحبة ...لانني بحاجة اليه ... لا يمضي الليل الا ويمر طيفه من امامي ، شاب اسمر طويل ،يشع النور من عينيه ، وتتميز ملامحه بالهدوء العميق وعيناه بالتأمل ،واراه يخبرني عن مدى حبه لي،ويقطف لي زهرة يوصيني ان احفظها في الماء ،ويسألني عن صمتي ، فاجيبه انني اخاف انني احلم ،وان ينتهي الحلم قريبا، فتدمع عيناه ، وتدمع عيناي ، وتسقط الوردة من يدي ... وأصحو انا من اوهامي ، لاجد نفسي في الغرفة ذاتها ..ظلام وسكون ...والجميع يغطون في نوم عميق ...وصوت حنفية المياه تنقط بعناد ، يخترق سكون الليل ... 14 اذار 1997 (القرار 425) 5- نيسان انه منتصف الليل ، وسؤال يعن على بالي : ماذا تخبىء لي الايام القادمة ؟ هل ستنقلني من هذا السجن الواسع ،هل ستبعدني عن ثرثرة الناس وانتقاداتهم التي كثرت في الايام الاخيرة ، والتي يحاولون من خلالها اقناعي تارة انني فتاة غير مؤدبة؟ وتارة انني فتاة متشائمة ودائما عاقدة الحاجبين؟ لنفترض انني كذلك، هل هناك شيء في الدنيا يجعلنني غير ذلك؟ هل هناك ما يفرح؟ ما يضحك؟ حسنا سوف اضحك... ساضحك على حياتي البائسة ،على الناس الثرثارين ... اضحك على السطحيين وعلى التافهين ، الذي يقدسون الجمال الخارجي متناسين انه من التراب والى التراب يعود ... اضحك على اولئك الذين يقدسون المال ، ويجمعونه ليل نهار ، ثم يتركونه خلفهم ويرحلون ! ساضحك على نفسي ، التي لا تضحك! نفسي الحزينة ،الغريبة عن الدنيا ،العاشقة دون معشوق ،المتعذبة دون اسباب ،الخائفة على روحها من ان تتلوث فيمحو البشر نقاءها ،اخاف ان انخدع ، ويستغلني الناس ويتحدثون عني بالسوء ، اخاف ان ابقى كما رفيقاتي ، سجينات في البيوت ، بحجة حمايتنا يمنعوننا من التمتع بجمال الحياة ،لاننا فتيات ،وهذا بالنسبة لهم ، عبء ، وحظ سيئ... لو يتبدل هذا المجتمع ... لو يعرف الناس قيمة الحياة ... يوم امس، جاءت لزيارتي ،صديقاتي ، زيارتهن اغضبتني ولم تفرحني كما كنت اتوقع، لانهن لم يمكثن اكثر من 10 دقائق ، لان اهلهن لا يسمحن لهن بالتأخر ،حسنا ، اذهبن الى بيوتكن واحتمين هناك من الكلاب المفترسة ! لو يثقن بنا ! كم كانوا سيسهلن علينا العيش.
7-نيسان
تركت الغرفة حيث تتبعثر داخلها كتبي واوراقي ، وصعدت الى سطح البيت ، لانني اشتقت الى الطبيعة ، انظر من هنا ، فأرى كم ان موقع بيتنا جميل ، فالجبال تبدو من هنا والأشجار الخضراء والأعشاب ومنظر مطل على القرية بأكملها ،تنتابني مشاعر فرح عظيم ، لا أدرك سببه ، ربما لأنني اجتهد في درسي ورغبتي قوية ، او لأنني موجودة في حضن الطبيعة ، لا يهم السبب، المهم أنني منتشية هنا. لست خائفة من الامتحانات الرسمية ، بل انتظر قدومها بفارغ الصبر... اتذكر الان حالة جدتي ، انها مريضة بمرض خبيث ،الامها تزداد ، يعذبني مشهدها امامي وهي تصرخ ، لا احتمل فكرة عجزي عن فعل اي شيء غير الوقوف كالصنم امامها ، اشفها يا رب ، وان كان هذا المرض لن يرحمها ، فارحمها انت وخفف عنها العذاب . اسمع صوت زقزقة العصافير ، الذي تحرمني منه بيروت ، شكرا لوالدي الذي احضرني الى القرية من اجل ان يهيء لي الجو المناسب للدرس ، لم ار بعد صديقتي زينب ، لا بد انها وباقي" الشلة " تخطط لمشروع ترفيهي ما ، لحفلة " تبولة " ربما ... 7-حزيران-1997 لمحت ابي جالسا على الشرفة عند بيت عمتي ، وهناك بعض الأشخاص يتحدثون ، لا شك ان ابي سيتناول الشاي هناك ، اذا علي ان اذهب ، إضافة الى أنني اشعر بالملل بضع دقائق ، وصلت ، جلسة حميمية ، دخلت الى البيت لكي احضر كوب شاي لي، وجدت شخصا جالسا على الطاولة ، وهو غارق في الكتابة ، وحوله تتبعثر مجموعة كبيرة من الأوراق ، هذا المشهد لا يمر علي بسلام، ولا أتجاهله، ألقيت السلام، فسألني عن نفسي ، تفاجأ عندما عرف انني بنت خاله ، وانا أيضا كانت المرة الأولى التي ارى فيها ابن عمتي ، كان يعيش في الغربة منذ سنين طويلة ، ثم عاد الى هنا بعد ان انفصل عن زوجته ، ويبدو انه كان يتعاطى السياسة في روسيا ، وكان منتميا الى النظام الشيوعي ، المهم ، انني أطلقت العنان للساني ، عندما عرفت انه سيدرس ، وانه متخرج من الجامعة ، وهو ايضا اهتم بي عندما اخبرته انني احب الادب ، وقلت له ما قرات ،وما رايي بما أقرأ ، واخبرته انني اكتب بعض الشعر ، شعرت بفرح عامر ، كوني اتحدث عن نفسي وعن طموحاتي مع شخص يبدو من عينيه الاهتمام البالغ ، حيث اصر علي ان يقرأ دفتر أشعاري ،قلت له انني استحي ، لانني لا اكتب الا لنفسي، ثم ربما ستسخر مني ،وحتى الان ،ما زلت اشعر بالخوف والحماس في آن ..سوف اخاطر وارسل له الدفتر. 5- تموز 1997 اليوم كان اليوم الاخير من امتحاناتي ، وقد وفقت بفضل الله ، في اليوم الاول ، كنت اشعر بالحماس وليس الخوف، مع قليل من الرهبة بسبب ما يتحدثون به عن جيش ودرك على ابواب المدرسة ، وطلاب كثر واهالي ، ورقابة مشددة ، لانها امتحانات رسمية ، ورغم كل ذلك ، لم ار شيئا مختلفاً ، حتى صديقاتي كن طبيعيات ، ربما وجود الاساتذة ساعدنا ايضاً ، وقد كان الامتحان سهلا،في اليوم الثالث كتبت جيدا ، ولكن في اليوم الرابع ، لم اوفق كما كنت اتوقع ، ربما بسبب صعوبة الاسئلة او لانني لست ضالعة في الفيزياء والكيمياء . سنعود جميعا اليوم الى القرية ... 12 تموز لم انقطع عن الذهاب كل يوم الى بيت عمتي ، حتى اطمئن على ابن عمتي ودفتري معا، الى ان جاء يوم امس ، اعاد الي الدفتر ،بعد ان اجابني عندما سالته عن رايي بكلمة واحدة : تمام . لقد كتب عليه ملاحظات اعجبتني كثيراً ، وجعلتني اشعر انه اعجب فعلاً بما اكتب ، هناك قصيدة كتب تحتها : هذا كلام له وزن عند كل من يتذوق الأدب ،وقصيدة عن الموت كتب تحتها : هذه تعابير رائعة ، وفي بداية الدفتر كتب لي صفحة كاملة يعطيني تعليمات يجب ان اتبعها في حياتي لأكون كاتبة ! كاتبة؟! وهل ساصبح كاتبة ؟ ما اعظم هذه الكلمة ، وما اصعب تحقيقها ! اعطاني بعض الكتب لأقرأها ، مثل نهج البلاغة الذي لم افهمه جيدا ، وكتاب سبعون لميخائيل نعيمة " الذي تاثرت به وباسلوبه البسيط، وكتاب طيور ايلول لاميلي نصر الله ، التي شعرت انها تشبهني ! وقد قرأت ايضا كتاب الاجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران ، لم اتمالك نفسي عن البكاء تاثراً ، وكم شعرت بعظمته وروعته! يقول لي ابن عمتي انه علي ان اقرأ خمسين كتابا خلال هذه الصيفية ، هذا مدهش ، كم يهتم ابن عمتي بي ، وكم اننا ممتنة له ، وكم انا متشوقة للدخول الى مكتبته وعدم الخروج ابداً! غدا ، يصبح عمري خمسة عشر سنة ، لقد كبرت فعلاً ،وساكبر اكثر واكثر... 27 تموز : الحياة تحبني ، هذا ما تأكدت منه اليوم ، لا زالت كلمات ابن عمتي في راسي : فهمانة ، واعية ،ذكية ! واليوم ، تحدثت الى " سناء" الفتاة التي يحبها خالي والتي سيتزوج بها عن قريب، وقالت لي : منذ الحديث الأول واضح انك " بنت مميزة ، اكبر من عمرك " اشعر ان مفعول الكتب بدأ يظهر ، عقلي ؟ هل هو حقا اكبر من عمري؟ اليس هذا رائعا ؟ كنت اقرأ لكي استمتع ليس الا ، فاذا بالكتب تؤثر على حياتي وعلى طريقة تفكيري ، والان ، سازداد رغبة في القراءة ، وساستمر في مقاومة رغبة امي في الخروج والتنزه مع الصديقات ،الآن لدي حلمي ...اريد ان اتقدم اكثر... الهواء يكاد يوقعني ،واذا وقعت من هذا المكان العالي فسوف اموت وينتهي الحلم ، امامي قطيع من الماعز ، احب النظر اليها وسماع الجرس، جيراننا يرفعون صوت الراديو ، هل يحتفلون بشيء ما؟ 30 تموز : تلقيت اليوم ، خبر نجاحي ، اصواتنا وصراخنا العالي ، جاءت عمتي وأبناؤها وقد تنبأوا بسرعة بالسبب، ليباركوا لي، اشعر انني استحق النجاح لانني تعبت ، وما ساعدني لأنجح هو توفيق الله ووقوفه الى جانبي ، إضافة الى تشجيع أهلي وتحملهم لأسابيع القلق والتوتر بسببي. امي توزع الحلوى ، واخي علي ينتظرني لنذهب مع بعض الاصدقاء الى التنزه وتناول الكوكتيل، انه يهنؤني بطريقته الخاصة ، والتي أحببتها .. كان يوما حافلا ، لن انسى اهتمام الجميع بي ، وسعادتهم من اجلي ، ولن انسى تلك اللحظات حين قفزنا جميعا انا واخوتي وبنات خالتي ، بعد سماعنا لرقم امتحاناتي ، واخذنا نقبل بعضنا ونصرخ من الفرح .... النجاح رائع ، عندما افكر بروعته ، افكر بالاتي ، واحرص على ان اعيشه دائما ... 7 آب : يوم امس ، كان يوم زواج ابن عمتي ، كان يوم فرح وعرس ودبكة وغيرها ، انا ورفيقتي زينب ، قررنا لأول مرة ، ان نشارك في الدبكة اللبنانية ، لكن هذا لم يعجب ابي ، الذي طلب مني ان انسحب ، حزنت كثيرا ، وخاصة ان رفيقتي تابعت ، ونمت تلك الليلة وانا اشعر ان والدي ظلمني ولم يتركني اعبر عن فرحتي ، في اليوم التالي ، غيرت رايي، عندما اقنعني ابي ان هذا الفعل ليس مناسبا لفتاة محتشمة مثلي ، وان هذه الامور ليست لنا ،شعرت حقا انني كنت سخيفة عندما ربطت بين الدبكة التي تشبه الرقص الجماعي ، وبين منع ابي لي واتهامه بالتقييد على حريتي ! الامر لا يستحق ... مبروك يا غانم ، وعقبال فرحة عريس ! 9- ايلول اعود الى دفتري بعد ان انقطعت عنه فترة طويلة ، وابتعدت ايضا عن الكتب ، بسبب عودتي الى الكشاف ، ومشاركتي في الرحلات والمخيمات ، اضافة الى الاجتماعات وهي الشيء الوحيد الممل والذي لا يجيدون عمله ... توفيت الاميرة ديانا في حادث سير ، يبدو انها كانت محبوبة كثيرا ، لان وسائل الاعلام كلها وفي كل العالم تنقل وقائع هذا الحادث الاليم، شخصيا شعرت بالحزن عليها رغم انني لا اعرف عنها الكثير ، الا ان براءتها وجمالها ووقار الجنازة وفخامتها ، جعلتني ادرك كم كانت مهمة هذه الاميرة . يتحدث الجميع عن ابن خالتي الذي حصل على اعلى مجموع في امتحانات البكالوريا ، شعرت بالغيرة ، لماذا لا اكون مثله ويتحدث عني الناس ؟ الايام قادمة .... الان انا على الشرفة الكبيرة ، اكتب على ضوء القمر الخافت ، الجميع يشاهد التلفاز، ابي ما زال مصرا على معرفة ماذا اكتب ،طبعا لن اسمح له ان يرى شيئا ، لانه ربما سيضحك علي ! 14- ايلول انهيت اليوم كتاب " القبيلة تستجوب القتيلة" لغادة السمان ، تعتبر غادة نفسها انها قتيلة الحياة ،اعجبتني آراؤها في الطبيعة والحروب ، وهي جريئة كثيرا، لكنها كثيرا ما تتحدث عن "حرية المرأة " ،وعن اوضاعها المزرية ، لم احب طريقتها ربما لانني لم اطلع بعد كفاية على مفهوم حرية المرأة بالتفصيل، ولكنني اعتبر انها بالغت حين اعتبرتها : آلة تفقيس" لكن المراة اليوم تخرج من بيتها وتمارس حياتها ، حتى انتشر الفساد ، والعري ، ولا زلنا نطالب بحريتها؟ اعتقد انه علينا ان نطالب بحرية الرجل الان، الذي ينصاع لطلبات زوجته والذي حوصر من قبل فتنتها واغوائها ... احتاج الى الكتب ، بقيت كتب للمتنبي لم اقرأها ، لم اشعر بالرغبة في ذلك... يخبرني اخي قاسم ، عبر الهاتف انه احضر لي المجموعة الكاملة لكتب جبران خليل جبران " كهدية نجاحي ، لا يمكنني الصبر اكثر حتى اراها واقرؤها ... اكتب على ضوء القمر ، الاشجار من حولي وصمت الليل يخترقه صوت مدافع ويصعد الدخان على الجبل البعيد ، اشتباكات بين المقاومة وجيش الاحتلال تتجدد كل ليلة ... لمجرد قراءتنا مجلة
.
.
الاحد, 06 اغسطس, 2006
أمام أشجار الزيتون ،تذكرني بجدي المرحوم ،كم كان حريصاً على الاعتناء بها ، في هذه " القلعة" حيث كان يصلي ، وحيث كان يستريح ،ونقرأ له الفاتحة كلما تذوقنا الزيتون الطيب.
غدا يصبح عمري 15 سنة
وسأكبر أكثر واكثر ؟.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.







